أحمد بن علي القلقشندي
15
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
مطلوب ، وحال عليّة ، ورتبة سنيّة ، أفضل ما بلَّغ أحدا اختصّه بفضله ، واصطفاه من خلقه ، إنه جواد ماجد . فإن رأى سيدنا أن يتطوّل بإجراء عبده على كريم عادته في تشريفه بمكاتبته ، وتصريفه في أمره ونهيه ، محقّقا بذلك أمله ، وزائدا في نعمه عنده ، فعل إن شاء اللَّه تعالى . تهنئة أخرى من ذلك ، من إنشاء عليّ ( 1 ) بن خلف أوردها في « موادّ البيان » وهي : إنما يهنّأ بالولاية - أطال اللَّه بقاء الحاجب ( 2 ) الجليل سيّدي ومولاي - من انبسطت إليها يده بعد انقباض ، وارتفع لها قدره من انخفاض ، وأوجدته الطريق إلى إحراز جزيل الأجر والجزاء ، واكتناز جميل البركة والثّناء ، وأفضت به إلى اتّساع السّلطان ، وانتفاع الأعوان ، فأمّا من جعل اللَّه يده الطَّولى ، وقدره الأعلى ، ورياسته حاصلة في نفسه وجوهره ، وسيادته مجتناة من سنخه ( 3 ) وعنصره ، فالأولى - إذا استكفي رغبة في إنصافه وعدله ، وحاجة إلى سداده وفضله ، وافتقارا إلى فضل سيرته ، واضطرارا إلى فاضل سياسته - أن تهنّأ الرعيّة بولايته ، وتسرّ الخاصّة والعامّة بما عدق من أمورها بكفايته ؛ وغير بدع ربط ( 4 ) أمير المؤمنين بالحاجب الجليل أمر حجابته ، ونصبه الزّحمة ( 5 ) عن حضرته ، وجعله الوسيط والسفير بينه وبين خواصّ دولته ، وقد وثق بيمن نقيبته ، واطَّلع
--> ( 1 ) انظر الحاشية رقم 1 ص 3 من هذا الجزء . ( 2 ) الحاجب وظيفة قديمة الوضع كانت لابتداء الخلافة بحيث كان لكل خليفة حاجب . سمي الحاجب بذلك لأنه يحجب الخليفة أو الملك عمّن يدخل إليه بغير إذن ، ثم تصرّفوا في هذا اللقب ووضعوه في غير موضعه ، وربما أطلق على من قام مقام الخليفة في الأمر ، وكانوا في الدولة الفاطمية بالديار المصرية يعبّرون عنه بصاحب الباب . وفي زمان القلقشندي أصبح الحاجب عبارة عمّن يقف بين يدي السلطان ونحوه في المواكب ، ليبلَّغ ضرورات الرعيّة إليه . وله ببلاد المغرب والأندلس أوضاع تخصّه في القديم والحديث . انظر ج 6 من هذا المطبوع ص 450 . ( 3 ) السنخ ، بكسر السين وسكون النون : الأصل . القاموس المحيط ( سنخ ) . ( 4 ) في الأصل : « إرباط » ، ولم نقف على فعله فيما بأيدينا من كتب اللغة . حاشية الطبعة الأميرية . ( 5 ) الزحمة : الدفع والذب ؛ يقال : زحمته عنه أي دفعته . المصباح . انظر حاشية الطبعة الأميرية